• ×

06:00 صباحًا , الثلاثاء 3 جمادي الأول 1443 / 7 ديسمبر 2021

Editor

المتعففون الشرفاء

Editor

 0  0  1.5K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

نجوى هاشم

قصته جزء من قصة الحياة الأليمة والموجعة، جزء قاتل من ملامح الموت اليومي الذي تفاجئنا به الحياة دون ان يكون لدينا أدنى استعداد لذلك.
الحياة التي نلتف بأيامها ولياليها مع أحبابنا، وأهلنا ومعارفنا متوهمين دائماً خلود هذه اللحظات، ودوامها، رغم أن الدوام يظل فقط لله سبحانه وتعالى.

ومع ذلك يسرقنا الحلم الجميل في اتساع حجم لحظاتنا الحميمية مع من حولنا دون تقديم أي خيار ولو فردياً، أو لحظوياً بزوال هذه الحميمية فجأة.

نتعلق بالحياة وننسى أنها دون دعائم من الممكن أن نستند عليها، ننسى اغتيالها المفاجئ لكل الأحبة.

ننسى دائماً اننا نولد لنذهب بعدها ونغادر إلى غير رجعة إما متروكين أو تاركين، ومهما كانت الاستعدادات لتلك اللحظة، أو التهيؤ، إلا أن قيمتها تظل في مفاجأتها سواء لنا، أو لغيرنا.

أحاول أن أجد من هذه المقدمة مدخلاً لفاجعة المواطن علي الكعبي الذي شب حريق في منزله بالرياض الاسبوع الماضي بحي الفيصلية وفقد فيه \"11\" فرداً من أسرته ابنه البكر علي البالغ \"28\" عاماً وبناته شيمه \"20\" عاماً، وابنها نواف البالغ من العمر عاماً واحداً.

وبناته شيماء \"17\" عاماً، أحلام \"16\" عاماً، اسمهان \"15\" عاماً، فاطمة \"14\" عاماً، ياسر \"12\" عاماً، عايدة \"11\" عاماً، خالد \"8\" أعوام، ماجد عام واحد وهو ابن ابنه.

هذا المواطن المكلوم والصابر والمتوجع والذي لن يلومه زحد على فقدان توازنه أو جنونه فقد \"6\" من بناته و\"3\"من ابنائه، واثنين من أحفاده، في حريق لا تعرف تفاصيله سوى انه شب بسرعة شديدة والتهم كل هؤلاء البشر.

في التحقيق الذي نشرته إحدى الصحف يقول الأب المصدوم: ليتني كنت معهم.

وقبل ان اقرأ التفاصيل لذلك الحريق الرهيب الذي تناقلته الفضائيات في حينها ظللت أحدق في ملامح ذلك الرجل البسيط الذي هدّه الفقر والعوز قبل ان تكمل عليه مأساة الحريق.

ملامحه وان بدا حياً وقادراً على التحرك الميت، إلا ان من اعتاد على قراءة الملامح سيجدها معطلة، غارقة في ركام الألم والفجيعة، يعبر امتحاناً قاسياً هو امتحان الرجال، غائب تماماً رغم قدرته على الحديث، يبدو في وضع ينوء بحمله حتى وإن كانت هناك وسيلة للهروب من هذا الوضع فهي الانغماس به.

يبكي صامتاً، بوجه مخطوف تماماً، اعتدى عليه الزمن، والألم والتعب والموت الذي كان سارقاً لكل ما لديه من أحلام، وأبناء، وفرح.

هم احترقوا واحتسبهم عند ربهم، لكن هو ظل محترقاً حياً وإن لم تحرقه النار ولم تصل إليه.

اغتيل بهذه الفاجعة، وفرضت عليه معركة حياة جديدة مليئة بالفقد للأعزاء، رغم انه كان يكابد كل يوم معركته الأصلية ضد الفقر والحاجة، وصعوبة الحياة ومواجهة احتياجاتها الكثيرة.

احتياجات الفقراء والبسطاء، بسيطة كأحلامهم، ثمة براءة في تفاصيلها فهذه الشابة المتوفاة تطلب عشرين ريالاً فقط ويعطيها كما يقول \"5\" ريالات هي كل ما لديه ويوعدها ان باع الستائر بالحراج غداً سيكمل لها المبلغ، والثانية تطلب مبلغاً بسيطاً لتشتري به مكياجاً للعيد، ولم يتحدث عن الباقيات وأحلامهن التي دفنت معهن، وأمانيهن المغدورة إنها أحلام الفقراء، ومن خيّم الفقر حولهم ودواخلهم، وافترش صفحاتهم لكنهم ظلوا متعففين، أغنياء بما ليس لديهم وهذا المواطن البسيط علي الكعبي منهم، رغم فقره من خلال بساطة المنزل الذي يسكنه وأثاثه المهترئ، وفقده لأغلب أفراد اسرته وعدم وجود دخل ثابت له يعين به هذه الأسرة الكبيرة، وكارثته المدوية التي جعلت الآخرين يشاطرونه آلامه ويعتصرون بها، إلا انه لم يقل على الاطلاق إنه محتاج، أو يطلب المساعدة، أو يحتاج إلى معونة ليخرج من أزمته، ويعيش حياة أفضل بمن تبقى معه من الأطفال، رغم انه يتوجع بألم الفراق، وضعف الحال، ومرارة الغياب. مثل هذا المواطن المكلوم، ألا يستحق المساعدة؟ والوقوف بجانبه أو مساندته مادياً ومعنوياً؟ أين الجمعيات الخيرية عنه؟ أين فاعلو الخير، أين المتصدقون؟ ونحن في شهر رمضان الكريم شهر الصدقات والعطاء، والخير، والأقربون حولنا، هم الأولى بهذه الصدقات، والمنكوبون هم الأجدر بها.

إنه الرجل العفيف، المتعفف، الذي تزغرد الأوجاع داخله، وحوله يستحق المساعدة، وتدفق أنهار العطاء عليه، وبودي أن اقرأ، أو اسمع أن هناك من ذهب إليه، وسانده مادياً، وغادر به ذلك المنزل المشؤوم الذي احترق فيه أفراد أسرته، حتى لا يظل متوجعاً داخله ببطء، ومغادراً الحياة بالتدريج تحت طائلة قانون قرأنا وسمعنا، ونسينا كالعادة، رغم اننا لانزال والحمد لله مجتمعاً متكاتفاً، معطاء متدفقاً يعطي حتى وإن تأخر العطاء. وقد لا نحتاج لزمن للتنبيه إلى الآخر الذي هو معنا وهو هذا الرجل الذي سيظل ينتظر اليد الحانية التي ستعيد نبض الحياة له ولمن تبقى من أفراد اسرته.

عن زاوية للعصافير فضاء : صحيفة الرياض .

جديد المقالات

Editor

تحدي كورونا

08-27-1441

Editor

التعليم وأثره في التنمية..

11-20-1440

qassime

يتألمون حينما يتلقفون !

01-28-1440

qassime

الذكاء الاصطناعي

10-07-1439

qassime

شياطين الشعر بين الخيال والإبداع

08-07-1439

qassime

الناشئُ الأكبُر: الناقدُ..

08-06-1439

qassime

اسـتـقـلالـيـة الـنّـاقـد

08-06-1439

qassime

السّرقات الشّعريّة في النّقد..

08-06-1439

القوالب التكميلية للمقالات

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:00 صباحًا الثلاثاء 3 جمادي الأول 1443 / 7 ديسمبر 2021.